الثلاثاء، 22 يوليو 2014

هل يجوز دفع الزكاة والصدقة للكافر؟

سؤال:
هل يجوز دفع الزكاة والصدقة للكافر؟
الجواب:
لا يجوز إعطاء فقراء الكفار من الزكاة  ودليل ذلك قوله ﷺ لما أرسل معاذ ابن جبل رضي الله عنه إلى اليمن:(فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).
[رواه البخاري ومسلم]
فالضمير في: (فقرائهم)
يعود لفقراء المسلمين.
فالزكاة لا تعطى إلا للمسلمين 
ولا تصرف إلا في مصارفها الثمانية المذكورة في آية الزكاة:{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}.

وعليه فلا تحل لكافر إلا إذا كان مؤلفا  لقولهﷻ:{والمؤلفة قلوبهم}.
فيعطى تأليفا لقلبه ورجاء إسلامه

وأما الصدقة - غير المفروضة -
فتجوز للفقراء من غير المسلمين.
بشرط : ألا يكون من المحاربين.
لقولهﷻ:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.
وكما في حديث أسماء قالت: يا رسول الله،إن أمي قدمت عليّ راغبة
[ أي:راغبة عن الإسلام كارهة له، طامعة في بِّر ابنتها ومكافآتها ورفدها]
وهي مشركة ،
أفأصلها؟
قال: (صلي أمك).

ولقوله ﷻ في صفة عباده الأبرار:{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}.
قال ابن جريج:"لم يكن الأسير يومئذ إلا من المشركين ".
وقوله ﷻ:{إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}
فيه دليل على أن الإطعام والصدقة، فعل حسن يرجى ثوابه.
وإن كانت على كافر.

وثبت عائشة رضي الله عنها :
" أن امرأة يهودية سألتها فأعطتها"
وتتأكد الصدقة لمن يرجى بعطائه إسلامه.
فكم من العمال من أسلم لما رأى لين المعاملة والإحسان من كفلائهم.
وأحسن  الشاعر حين قال:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان

و مع ذلك فصرف الصدقة إلى فقراء المسلمين أفضل وأولى؛ لأن فيه إعانة لهم على طاعة الله ﷻ.
وعونا لهم ولأهليهم على أمور دينهم ودنياهم.
وفيه يتحقق ترابط المسلمين.
وخصوصا أن فقراء المسلمين اليوم كثير ومصابهم عظيم .
والله المستعان.

الاثنين، 21 يوليو 2014

عسى منْ خفي اللطفِ

عسى منْ خفي اللطفِ
                   سبحانهُ لطفُ بعطفهِ برٍ فالكريمُ لهُ عطفُ
عسى منْ لطيفِ الصنعِ نظرة ُ رحمة ٍ
                   إلى منْ جفاهُ الأهلُ والصحبُ والألفُ
عسى فرجٌ يأتي بهِ اللهُ عاجلاً
                   يسرُّ بهِ الملهوفُ إنْ عمهُ اللهفُ
عسى لغريبِ الدارِ تدبيرُ رأفة ٍ
                   و برٌّ منَ البارى إذا العيشُ لمْ يصفُ
عسى نفحة ٌ فردية ٌ صمدية
                   ٌ بها تنقضي الحاجاتُ والشملُ يلتفُّ
فإنيَ والشكوى إلى اللهِ كالذي
                   رمى نفسهُ في لجة ٍ موجها يطفو
فمنْ محنِ الأيامِ قلبي معذبٌ
                   ألمَّ بروحي قبلَ حتفِ الفنا حتفُ
وإني لأرضي ما قضى اللهُ لي ولوْ
                   عبدتُ على حرفٍ لأزرى بي الحرف
ولمْ أبنِ حسنَ الظنِّ في سيدي على
                   شفا جرفٍ هارٍ فينهار بي الجرفُ
ولكنْ دعوتُ اللهَ يكشفُ كربتي
                   فما كربة ٌ إلا ومنهُ لها كشفُ
فكمْ بسطتْ كفٌ بسوءٍ تريدني
                   فقالَ لها الكافي ألا غلتِ الكفُّ
وكمْ همَّ صرفُ الدهرِ يصرفُ نابهَُ
                   عليَّ فجاء الغوتُ وانصرفَ الصرفُ
ولمْ أعتصمْ باللهِ إلا ومدَّ لي
                   منَ البرِّ ظلاًّ في رضاءٍ لهُ وكفَ
وإني لمستغن ٍ بفقري وفاقتي
                   إليهِ ومستقوٍ وإنْ كانَ بي ضعفُ
وفي الغيبِ للعبدِ الضعيفِ لطائفٌ
                   بها جفتِِ الأقلامُ وانطوتِ الصحفُ
فكمْ راحَ روحُ اللهِ في خلقهِ وكمْ
                   غدا قبلَ أنْ يرتدَّ للناظرِ الطرفُ
بقدرة ِ منْ شدَّ الهوا وبنى السما
                   طرائقَ فوقَ الأرضِ فهيَ لها سقفُ
ومنْ نصبَ الكرسيَّ والعرشَ واستوى
                   على العرشِ والأملاكِ منْ حولهِ حفوا
ومنْ بسطَ الأرضينَ فهي بلطفهِ
                   لحيِّ بنى الدنيا وميتهمْ ظرفُ
وألقى الجبالَ الشمَّ فيها رواسياً
                   فليسَ لها من قبلِ موعدها نسفُ
وألبسها منْ سندسِ النبتِ بهجة
                   ً منْ القطرِ ما صنفٌ يشابههُ صنفُ
وسخرَ منْ نشرِ السحابِ لواقحاً
                   إذا انتشرتْ أدرتْ سحائبها الوطفُ
وأنشأَ منْ ألفافها كلَّ جنة
                   ٍ بهِ الأبُّ والريحانُ والحب والعصفُ
ويعلمُ مسرى كلِّ سارٍ وساربِ
                   وما أعلنوهُ منْ خطايا وما أخفوا
و يحصى الحصى َ والقطرُ والنبتُ في الثرى
                   والأحقافُ عدٌّ قلَّ أوْ كثرَ الحقفُ
ويدري دبيبَ النملِ في الليلِ إنْ سعتْ
                   وإنْ وقفتْ ما أمكنَ السعيُ والوقفُ
ووزنِ جبالٍ كمْ مثاقيلَ ذرة
                   ٍ وكيلُ بحار ٍلا يغيضها نزفُ
وكمْ في غريبِ الملكِ والملكوتِ منْ
                   عجائبَ لا يحصى لأيسرها وصفُ
فسبحانَ من إنْ همَّ وهمٌّ يقيسهُ
                   بكفءٍ وتكييفٍ يلجمهُ الكفُّ
ولمْ تحطِ الستُّ الجهاتُ بذاتهِ
                   فأينَ يكونُ الأينُ والقبلُ والخلفُ
إلهي أقلني عثرتي وتولني
                   بعفوٍ فإنَّ النائباتِ لها عنفُ
خلعتُ عذاري ثمَّ جئتكَ عائذاً
                   بعذري فإنْ لمْ تعفُ عني فمنْ يعفو
وأنتَ غياثي عندَ كلِّ ملمة ِ
                   وكهفي إذا لمْ يبقَبينَ الورى كهفُ
فكمْ صاحبٍ رافقتهُ ليكونَ لي
                   رفيقاً فأضحى وهوَ بادي الجفا خلفُ
وماشيتُ من قومٍ عدوٌ صديقهمْ
                   إذا استنصروا ذلوا وإنْ وزنوا خفوا
طباعُ ذئابٍ في ثيابٍ جميلة
                   ٍ بصائرهمْ عميٌ قلوبهمُ غلفُ
يلوحُ عليهم للنفاقِ دلائلٌ
                   وبالحكِّ يبدُ الزيفُ والذهبُ الصرفُ
فحلْ سيدي ما عشتُ بيني وبينهم
                   بحولكَ حتى يخضعَ الفردُ والألفُ
وأعلِ مقامي وانصبْ اسمي بخفضهمْ
                   ليصرفَ كلُّ اسمٍ يحقُّ لهُ الصرفُ
لأنكَ معروفي ومنكَ عوارفي
                   إذا استنكرَ المعروفُ وانقطعَ العرفُ
وأثبتْ بنورِ العلمِ والحلمِ منكَ لي
                   سعادة َ حظٍ ما لمثبتها حذفُ
وأيدْ بحرفِ الكافِ والنونِ حجتي
                   ليسبقَ لي منْ كلِّ صالحة ٍ حرفُ
وقلْ فزتَ ياعبدَ الرحيمَ برحمة
                   ٍ ومغفرة ٍ يومَ الملائكُ تصطفُّ
وأكرمْ لأجلي منْ يليني وأعطنا
                   منَ النارِ أمناً يومَ كلٌّ لهُ ضعفُ
وصلِّ على روحِ الحبيبِ محمدٍ
                   صلاة ً علاها النورُ وانتشرَ العرفُ
وأزواجهِ والآلِ والصحبِ ما انثنتْ
                   أراكُ الحمى وانسابَ الإبلُ الزحفُ

مفرج الكروب
http://www.msobieh.com/akhtaa/viewtopic.php?t=4019

كيف أتحلل ممن اغتبته؟

سئلت:
كيف أتحلل ممن اغتبته؟!

فكان الجواب:
الأصل في تكفير حقوق العباد السعي في طلب العفو منهم.
فمظالم الناس لا تمحى إلا باستحلالهم منها في هذه الدنيا الفانية،فليس في الآخرة دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات يؤخذ من حسناته بقدر مظلمته ويعطى للمظلوم، فإن نفدت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم وحمله الظالم.
قالﷺ: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه).  أخرجه البخاري.

فالتحلل ممن اغتبته واجب شرعي.
ثم إن تحلل المغتاب وإعلامه بما حصل إن علم بغيبتك له متعين.

وأما إن لم يعلم فالأولى أن تتحلله تحللا عاما ولا تذكر له اغتيابك إياه لئلا تغضبه.
ولأنه يؤدي إلى مفسدة أعظم
فعليك بالإكثار من الاستغفار والدعاء له.
والثناء عليه في غيبته
وذكره بخير حيث ذكرته بشر
حتى تُذهب الحسنات السيئات مصداقا لقول الله ﷻ :{إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}.

قال مجاهد كفارة أكلك لحم أخيك‏:
‏" أن تثني عليه وتدعو له بخير‏".‏

وقال الحسن البصري : "كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته ".

والمقصد من الاستغفار والدعاء هو دفع السيئة بالحسنة ، ومقابلتها بها ، كما في الحديث:(وأتبع السيئة الحسنة تمحها).
ولذلك فلا يتحتم الاستغفار دون غيره من الأعمال ، بل يمكن أن تعمل العمل الصالح ليكون ثوابُه مقدَّما لمن اغتبته ، وعمل صالح يهدى إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه .
كأن تتصدق عنه أو تقدم له المساعدة ، وتقف معه في محنه ، فتحاول تعويضه عن ذلك الأذى بما تستطيع .

مع الاجتهاد في الإكثار من الحسنات الماحية والتقرب إلى الله تعالى بما أمكن من خصال الخير.
حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم تبق مفلسا.
ولعل ما يبن هذا بجلاء  كلام الإمام الشبلي فقد كان حاكماً لولاية من ولايات العراق
وعندما وافته المنية أخذ يبكي بكاءا شديدا فسألوه لم تبكي؟
قال: والله ما أبكي لذنب 
قالوا: إذا لم تبكي؟
قال: لأني أخذت درهماً غصباً من رجل وأنا في ولايتي ، فبحثت عنه سنين فلم أجده ، فتصدقت عنه بألوف ، ولكني أخــاف أن يطالبني صاحب هذا الدرهم بدرهمه يوم
القيامة.
هكذا مظالم الناس عند المؤمن عظيمة.

‏قال عبدالله بن وهب:"نذرت أني كلما اغتبت إنساناً أن أصوم يوماً فأجهدني – يعني تعبت – فكنت أغتاب وأصوم أغتاب وأصوم .. فنويت أني كلما اغتبت إنساناً أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة".

 وتأمل معي هذه الآثار

‏بعث الحسن البصري رطباً على طبق  لرجل
وقال: بلغني أنك اغتبتني ولم أجد أفضل من هذا الرطب لقاء حسناتك التي أهديتها لي جزاء هذه الغيبة".
‏جاء رجل للحسن فقال: بلغني أنك اغتبتني !
فقال الحسن: لم يبلغ قدرك عندي أن أُحَكِّمك في حسناتي.
‏قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: " لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والديَّ؛ لأنهما أحق بحسناتي".
‏قيل للربيع بن خيثم- رحمه الله - :
ما نراك تغتاب أحداً ؟
فقال :
"لست عن حالي راضيا
حتى أتفرغ لذمِّ الناس "

‏قال الإمام البخاري رحمه الله: " أرجو أن ألقى الله ﷻ ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا".
من منا يأمل ذلك؟!

‏قال بكر المزني:" إذا رأيتم الرجل موكلا بعيوب الناس، ناسيا لعيوبه، فاعلموا أنه قد مكر الله به".

نعوذ بالله من الخذلان
ونسأله أن يشغلنا في طاعته.

هل للظالم توبة؟


باب التوبة مفتوح لكل من عصى الله إذا توفرت شروطها، قال تعالى: وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:110]. وقال تعالى: فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المائدة:39].
شروط التوبة كما ذكرها العلماء:
- أن يقلع عن الذنب.
- وأن يندم على ما قد مضى.
- وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه.
- وإذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم، أو أعراضهم، أو أبدانهم، فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها.
قال ابن القيم: (والظلم عند الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه
وبين ربه عزَّ وجلَّ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. بخلاف ديوان الشرك؛ فإنه لا يُمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يُمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها) <br/>            [6171] ((الوابل الصيب))    (1/24).      .
فمن ابتلي بشيء من الظلم، والتسلط على الناس سواء كان بأخذ مال، أو بغيره من أنواع الظلم، فليتحلل منه في هذه الدنيا الفانية، فليس في الآخرة دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات يؤخذ من حسناته بقدر مظلمته ويعطى للمظلوم، فإن نفدت حسناته أُخذ من سيئات المظلوم وحمله الظالم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه، أو من شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات، أُخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)) <br/>            [6172] رواه البخاري   (6534) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.      .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لتؤدنَّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)) <br/>            [6173] رواه مسلم (2582).     .
وعن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا <br/>            [6174] البهم جمع بهيم،   وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، يعني ليس فيهم شيء من العاهات والأعراض   التي تكون في الدنيا كالعمى والعور والعرج وغير ذلك. انظر: ((النهاية في غريب   الحديث والأثر)) لابن الأثير (1/167).      ، فيناديهم مناد بصوت يسمعه مَن بعُد كما يسمعه مَن قرُب: أنا الملك، أنا الديَّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، حتى اللطمة فما فوقها، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة، حتى اللطمة فما فوقها وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، قلنا: يا رسول الله، كيف وإنما نأتي حفاة عراة غرلًا <br/>            [6175] الغرل: جمع   الأغرل، وهو الأقلف. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/362).      بهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات جزاءً وفاقًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)) <br/>            [6176] رواه أحمد (3/495)   (16085)، والحاكم (2/475)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8/265). وحسن   إسناده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/218)، والعراقي في تخريجه للإحياء   (5/283)، والهيثمي في ((المجمع)) (10/354)، وحسنه ابن القيم كما في ((مختصر   الصواعق المرسلة)) (489).      .
وقال أبو الزناد: (كان عمرُ بنُ عبد العزيز يردُّ المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان يكتفي باليسير، إذا عرف وجه مَظْلِمةِ الرَّجُلِ ردَّها عليه، ولم يكلِّفْه تحقيق البيِّنة، لما يعرف من غشم الوُلاة قبله على الناس، ولقد أنفد بيت مال العراق في ردِّ المظالم حتى حُمِلَ إليها من الشَّام) <br/>            [6177] ((جامع العلوم   والحكم)) لابن رجب (ص 241).      .
وذكر صاحب (العقد الفريد) قصةً للمأمون: (وأنه جلس يومًا لردِّ المظالم، فكان آخر من تقدم إليه - وقد همَّ بالقيام - امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثَّة، فوقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم. فقال لها يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلَّمي بحاجتك. فقالت:

يا خير منتصف يهدى له الرشد



ويا إمامًا به قد أشرق البلد

تشكو إليك عميد القوم أرملة



عدى عليها فلم يترك لها سبد <br/>            [6178] السبد من الشعر،   يقال: ماله سبد ولا لبد، أي قليل ولا كثير. انظر: ((الصحاح تاج اللغة وصحاح   العربية)) (2/483).     

وابتز مني ضياعي بعد منعتها



ظلمًا وفرق مني الأهل والولد

فأطرق المأمون حينًا، ثم رفع رأسه إليها وهو يقول:

في دون ما قلت زال الصبر والجلد



عني وأقرح مني القلب والكبد

هذا أذان صلاة العصر فانصرفي



وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد

فالمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا



ننصفك منه وإلا المجلس الأحد

قال: فلما كان يوم الأحد جلس، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ثم قال: أين الخصم؟ فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين - وأومأت إلى العباس ابنه - فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس. فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإنَّ الحق أنطقها والباطل أخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها إلى العامل الذي ببلدها أن يوغر لها ضيعتها، ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة) <br/>            [6179] ((العقد الفريد))   لابن عبد ربه (1/28).      .
قصص في الظلم... عبر وعظات:
1- من القصص في الظلم التي حدثت في زمن الصحابة، قصة الرجل الذي ظلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فدعا عليه سعد، وقد كان مستجاب الدعوة، فاستجاب الله دعاءه، والقصة كما رواها البخاري في (صحيحه) عن جابر بن سمرة، قال: (شكا أهل الكوفة سعدًا إلى عمر، رضي الله عنه، فعزله، واستعمل عليهم عمارًا، فشكوا، حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاق، إنَّ هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي؟ قال أبو إسحاق: أما أنا والله، فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخرم <br/>            [6180] ما أخرم، أي ما   ترك. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (2/27).      عنها، أصلي صلاة العشاء، فأركد <br/>            [6181] فأركد في   الأوليين، أي أقيم طويلا أي أطول فيهما القراءة. انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر   (2/238).             في الأوليين، وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظنُّ بك يا أبا إسحاق. فأرسل معه، رجلًا، أو رجالًا، إلى الكوفة، فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدًا إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا، فإنَّ سعدًا كان لا يسير بالسرية <br/>            [6182] لا يسير بالسرية   ظاهره أنه لا يخرج مع سراياه وقيل معناه لا يسير بالسيرة السوية أي العادلة. انظر:   ((فتح الباري)) لابن حجر (1/136).      ، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية. قال سعد: أما والله لأدعونَّ بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهنَّ) <br/>            [6183] رواه البخاري   (755).      .
2- ومنها أيضًا: قصة سعيد بن زيد رضي الله عنه، فقد روى مسلم في (صحيحه): ((أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنَّه أخذ شيئًا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم. فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئًا بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا طُوِّقه إلى سبع أرضين. فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا. فقال اللهم إن كانت كاذبة فعمِّ بصرها، واقتلها في أرضها. قال: فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت)) <br/>            [6184] رواه مسلم (1610).      .
3- قصة أوردها الهيثمي في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) قال:
(وقال بعضهم: رأيت رجلًا مقطوع اليد من الكتف، وهو ينادي من رآني فلا يظلمنَّ أحدًا، فتقدمت إليه وقلت له: يا أخي ما قصتك؟ فقال: يا أخي قصتي عجيبة، وذلك أني كنت من أعوان الظلمة، فرأيت يومًا صيادًا قد اصطاد سمكة كبيرة، فأعجبتني، فجئت إليه فقلت: أعطني هذه السمكة. فقال: لا أعطيكها، أنا آخذ بثمنها قوتًا لعيالي. فضربته وأخذتها منه قهرًا، ومضيت بها، قال: فبينما أنا ماشٍ بها حاملها إذ عضت على إبهامي عضة قوية، فلما جئت بها إلى بيتي، وألقيتها من يدي ضربت علي إبهامي، وآلمتني ألـمًا شديدًا، حتى لم أنم من شدة الوجع، وورمت يدي، فلما أصبحت أتيت الطبيب، وشكوت إليه الألم، فقال: هذه بدو أكلة <br/>            [6185] الأكلة: داء يقع   في العضو فيأتكل منه. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (11/22).      ، اقطعها وإلا تلفت يدك كلُّها، فقطعت إبهامي ثم ضربت يدي، فلم أطق النوم ولا القرار من شدة الألم، فقيل لي: اقطع كفك. فقطعتها، وانتشر الألم إلى الساعد، وآلمني ألما شديدًا، ولم أطق النوم ولا القرار، وجعلت أستغيث من شدة الألم، فقيل لي: اقطعها من المرفق. فانتشر الألم إلى العضد، وضربت علي عضدي أشد من الألم، فقيل لي: اقطع يدك من كتفك، وإلا سرى إلى جسدك كلِّه. فقطعتها، فقال لي بعض الناس: ما سبب ألمك؟ فذكرت له قصة السمكة، فقال لي: لو كنت رجعت من أول ما أصابك الألم إلى صاحب السمكة، فاستحللت منه، واسترضيته ولا قطعت يدك، فاذهب الآن إليه، واطلب رضاه قبل أن يصل الألم إلى بدنك.
قال: فلم أزل أطلبه في البلد حتى وجدته، فوقعت على رجليه أقبلهما وأبكي، وقلت: يا سيدي، سألتك بالله إلا ما عفوت عني. فقال لي: ومن أنت؟ فقلت: أنا الذي أخذت منك السمكة غصبًا. وذكرت له ما جرى وأريته يدي، فبكى حين رآها، ثم قال: يا أخي، قد حاللتك منها لما قد رأيت بك من هذا البلاء. فقلت له: بالله يا سيدي، هل كنت دعوت علي لما أخذتها منك؟ قال: نعم.
قلت: اللهم، هذا تقوَّى عليَّ بقوته على ضعفي، وأخذ مني ما رزقتني ظلمًا، فأرني فيه قدرتك. فقلت له: يا سيدي، قد أراك الله قدرته في، وأنا تائب إلى الله عزَّ وجلَّ عما كنت عليه)  <br/>            [6186] ((الزواجر عن   اقتراف الكبائر)) (2/124).      .
4- قصة تبين نهاية الظالمين، وهي أنَّ أحمد بن أبي دؤاد، ومحمد بن عبدالملك بن الزيات، وهرثمة، كانوا ممن ظلموا الإمام أحمد في محنة القول بخلق القرآن، فكانت نهايتهم كما ذكرها ابن كثير في (البداية والنهاية) قال: (دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء -لأنَّه أحسن الصنيع لأهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساؤوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم - فأمره أن ينزل جثة أحمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكرامًا زائدًا جدًّا.
والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل: يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن.
فوجل المتوكل من كلامه، وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل: في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر.
فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرًا، ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك، فقال: قطعني الله إربًا إربًا إن قتله إلا كافرًا.
ودخل عليه القاضي أحمد بن أبي دؤاد، فقال له مثل ذلك فقال: ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرًا.
قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار.
وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي، فقال: يا معشر خزاعة هذا الذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه. فقطعوه إربًا إربًا. وأما ابن أبي دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعني بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ماله بمال جزيل جدًّا) <br/>            [6187] ((البداية   والنهاية)) (10/337).      .